تجربة أم مصرية
مقدمة إلى مؤتمر أسر الاولمبياد الخاص
للشرق الأوسط وشمال أفريقيا
المنعقد فى تونس الفترة من 5 – 7 سبمبر 2004م
تقديم
د. هدى درويش
فى البداية إسمحوا لى أن أتوجه بكل الشكر والتقدير إلى منظمى هذا المؤتمر الكبير غير المسبوق فى فكرته وهدفه النبيل برعاية دولة تونس الشقيقة .
وحقيقة فإن التعبير عن هؤلاء الأبناء المتميزين لا يمكن أن يأتى من غير أهله . فكل أب وكل أم وكل أخ وكل أخت يملك وحده الاحساس بمشاعر هؤلاء الأبناء ذوى الاحتياجات الخاصة وهم الذين يستطيعون من خلال تجاربهم الشخصية تقديم أفكار متطورة ومتجددة لإعانة هذه الفئة لأجل ادماجهم داخل المجتمع واستبعاد انعزالهم .
أنها فرصة ناجحة بإذن الله لتبادل الخبرات والاستفادة من تجاربنا الناجحة مع أبنائنا وعرض لمشكلاتهم والخروج بنتائج إيجابية ترفع من شأنهم وتمنحهم مزيد من التقدم والتعايش مع المجتمع بثقة وقوة وشجاعة فعلينا إنتهاز هذه الفرصة.
وإننى بإسم مصر وبإسم جميع الأسر المصرية أتوجه من خلال هذا المؤتمر الموقر بكل الشكر والتقدير إلى القائمين على خدمة أبنائنا ذوى الاحتياجات الخاصة فى مصر وعلى رأسهم السيدة العظيمة الانسانة سوزان مبارك راعية وأم أبنائنا للدور الرائد والعظيم الذى تقوم به من أجل مساعدة وشحذ همم أبنائنا ذوى الاحتياجات الخاصة لدمجهم داخل المجتمع ورعايتهم الرعاية الكاملة سواء فى مجال التعليم أو التأهيل بتوجيهاتها المستمرة للمؤسسات التعليمية بمصر إلى جانب رعايتها واهتمامها بالمجالات الفنية والمهنية اضافة إلى اهتمامها الشخصى بضرورة تنمية القدرات الرياضية لهؤلاء الأبناء فهى راعية الاولمبياد الخاص المصرى ورئيس شرفه الذى يقدم كافة خدماته لانماء طاقات هؤلاء الأبناء رياضيا واكتشاف القوة الكامنة لديهم بهدف تحقيق ثقتهم بأنفسهم والتفاعل مع المجتمع والاندماج فيه وإننى أصالة عن نفسى، ونيابة عن كل أسرة مصرية لديها أبنا او ابنه من هذه الفئة المتميزة نتوجه بعظيم امتنانا وتقديرنا لجهود سيادتها فى هذا المجال ولا ننسى أبدًا جهود القائمين على الاولمبياد الخاص بمصر الذين يبذلون أقصى جهدهم وعطاءهم من أجل أبنائنا وعلى رأسهم السيد الدكتور المهندس اسماعيل عثمان والسيدة الفاضلة ماجدة موسى اللذان يبذلان كل جهد بكل حب لرعاية أبناءنا فتحية لهما ولكل السادة القائمين على الاولمبياد الخاص بمصر .
أما عن تجربتى مع ابنتى فهى تجربة أم وجدت فى فلذة كبدها إعاقة ذهنية، وهى بلا شك من أصعب الاعاقات التى تواجه الإنسان فى حياته لما لها من تأثير على مستقبه ، خاصة وان ابنتى ولدت صحيحة لكنها أصيبت بحرارة عالية لم تستطع تحملها وعمرها عامان حيث دخلت فى غيبوبة لمدة خمسة أيام فاقت بعدها لتنضم إلى هذه الفئة المتميزة التى يطلق عليها ذوى الاحتياجات الخاصة حيث بدأت ولادة جديدة بعد عامين من عمرها .
وبدأت أنا دخول تجربة الاختبار الالهى الذى قدره الله لأسرتنا الصغيرة وكان الاختبار الالهى لنا فى الابنة الصغرى ، وكان علينا ان نواجه المجتمع المحيط بنا .. كيف نواجه نظرات الشفقة والعطف التى نراها فى عيون من حولنا ؟ وبدأت أتساءل كيف اقدمها إلى معارفنا وجيراننا وكيف تقدمها أختها الكبرى إلى صديقاتها ؟ وكيف أتجنب نظرة الانكسار التى أراها فى عين أبيها؟.
ومنذ ذلك الوقت وجدت المسئولية ملقاة على عاتقى، وكان لابد أن أواجه الموقف الذى تحول داخلى من عجز وخجل واستسلام إلى تصميم وعزم وقوة وارادة لتحدى هذه الاعاقة ودفعها إلى المجتمع متزرعة بالايمان والارداة ، بل والعزم على ان أخرج للمجتمع نموذجا مشرفا تتباهى به أختها ويفخر به والدها بل والمجتمع كله .
فبدأت التعامل مع ولادتها الجديدة بتعليمها كيف تمشى، وكيف تأكل، إلى غيرها من الأمور التى يعرفها الأطفال بالفطرة ، ومن خلال التدريب المستمر بدون كلل أو ملل ، استطاعت ابنتى بقوة الله خلال عام الحركة، وبفضل الله استطاعت التكلم عند بلوغها الخامسة من العمر عن طريق تدريبات التخاطب المكثفة، ثم الحقتها بمدارس مع الأطفال الطبيعيين فواجهت صعوبة شديدة فى تحصيل العلم ، فالحقتها بمدرسة خاصة لبطئ التعلم ، واستمرت سنوات فى هذه المدرسة، تعلمت منها القدر الكافى من القراءة والكتابة باللغة العربية والانجليزية والكتابة على الكمبيوتر وكان منزلنا لا يخلو من المعلمين يوميا .
وإلى جانب هذا كان لابد من توجيه سلوكياتها توجيها صحيحا فى طريقه حديثها مع الآخرين ، وطريقة جلوسها ، وطريقة أكلها ، ونظافتها الشخصية والتعامل السليم حتى أصبحت على المستوى الاجتماعى مقربة ومحبوبة من الجميع . وبعد انتهاء مرحلة الدراسة ؛ التحقت بالعمل فى مهنة الخزف والأعمال الفنية وخلال هذه الفترة توجهت إلى استكشاف مواهبها وهواياتها سواء فى الموسيقى او الرسم او الخياطة وشغل الأبرة وعلى جانب آخر توجهت بها إلى أحد النوادى التى تقدم خدماتها لهذه الفئة فالحقتها فى رياضات العاب القوى والجرى والتنس والسباحة حتى اكتشفت قدراتها فى رياضة السباحة التى تفوقت فيها ودخلت فى عدة بطولات على المستوى المحلى ، أثبتت كفائتها وحصلت على المركز الأول فيها .
ثم جاء دور الاولمبياد الخاص المصرى الذى فتح لها مجال الاشتراك فى المسابقات الدولية والعالمية فاشتركت فى البطولة الاقليمية التى أقيمت فى لبنان عام 2002م .
وحصلت فى هذه البطولة على الميدالية الذهبية فى السباحة وبفضل الله وجهود مدربيها بالاولمبياد الخاص المصرى الذين ينذرون أنفسهم للتدريب الشاق المتواصل مع أبناءنا ، توالت انتصاراتها العالمية وحققت المركز الأول فى أيرلندا عام 2003م والمركز الاول فى اليونان 2004م خلال المهرجان الذى اقيم بها على هامش البطولة الاولمبية .
وتفضلت السيدة سوزان مبارك بتكريمها وتكريم جميع اللاعبين واللاعبات الذين اشتركوا فى هذه البطولات وعبرت بامومتها الحانية وانسانيتها الرائعة عن فخرها واعتزازها بادائهم الرياضى الرائع وبما حققوه لأنفسهم ولمصرهم الغالية كما عبرت عن ثقتها فى مستقبل مشرق وواعد ينتظرهم .
ولا يسعنا إلا ان نقول ان تشجيع هذه السيدة العظيمة وجهود القائمين على الاولمبياد المصرى فى خدمة أبنائنا كان حافزا لنا نحن أولياء أمور هؤلاء الابناء للاستمرار والتقدم بابنائنا .
وإنه لتعجز الكلمات عن التعبير عن سعادتى و فخرى بهذه الأبنه البطلة التى أفردت لها الصحف صفحاتها لتتحدث عن بطولاتها وفخر مصر بها .
وأصبحت مصدرا لفخر وعزة أسرتنا الصغيرة وتحولت نظرات الشفقة والانكسار إلى عزة وإفتخار .
وكم أعجز عن وصف سعادة ابنتى بنفسها وثقتها فى ارادتها وعزمها فهى على المستوى الرياضى حققت بطولات عالمية نافستها فيها بطلات كبريات الدول مثل أمريكا وانجلترا والنمسا وغيرها .
وعلى المستوى الاجتماعى فعلاقتها بأختها الكبرى علاقة نموذجية وهى صاحبة ابتسامة لا تفارقها ، وصاحبة قلب يحنو ويحب كل من حوله ، وهى تحظى بحب كل من يعرفها أو ينظر إليها .
وأخيرًا علينا أن نتذكر أن هناك مشكلات جمه يواجهها أبناؤنا ذوى الاحتياجات الخاصة فعلينا مواجهة هذه المشكلات بقدر كبير من الشجاعة والجرأة على إجتياز هذه العوائق ومواجهة تلك المشكلات والتى اعتقد أن أبرزها ضرورة تغيير نظرتنا - وأقصد الأسوياء - إلى هؤلاء الأبناء فإن نظرات الحسرة والشفقة والعطف الزائد تؤثر تأثيرا كبيرا عليهم، فمن قال أنهم لا يفهمون هذه النظرات .
كما ننتهز فرصة هذا اللقاء الجليل أن نطرح أهم المشكلات التى ماتزال تحتاج من الجميع إلى كثير من الجهود والرؤى لحلها ومنها مشكلة مستقبل هؤلاء الأبناء ورعايتهم فى حالة كبر الأباء واحتياجهم هم أنفسهم للرعاية فمن يرعى هؤلاء الأبناء ؟
أيضًا مشكلة زواج هذه الفئة مازالت تحتاج إلى كثير من الجهد والأبحاث ومزيد من الأراء والمقترحات .
والأن إسمحوا لى أن أتقدم بعدد من النصائح أرجو تفعيلها إلى توصيات يخرج بها المؤتمر وذلك من واقع تجربتى ثم إلمامى بخبرات وتجارب أمهات وأسر بلدى الحبيب مصر .
1- الثقة والايمان واليقين بأننا محملين برسالة إنسانية عظيمة علينا أن نؤديها حقها من الاهتمام والجهد والعزيمة والإخلاص .
2- علينا أن ننبه المجتمعات إلى وجوب تغيير مصطلحات غير لائقة يوصف بها ذوى الاحتياجات الخاصة مثل مصطلح المعوقين – المتخلفين عقليًا والمعاقين ذهنيًا فإن هذه المسميات تصيب ابناءنا باليأس والاحباط وتؤثر بلا شك على مشاعرهم ومشاعر أسرهم لذلك أقترح التوصية بعدم إستخدام هذه المسميات والتوصية بتعميم مصطلح " ذوى الاحتياجات الخاصة" .
3- ضرورة الاهتمام بتوعية أسر هؤلاء الأبناء من خلال وضع برامج تعليمية وندوات وحلقات نقاشية وبحثية وغيرها .
4- ضرورة إهتمام وسائل الإعلام بمشكلات هؤلاء الأبناء ذوى الاحتياجات الخاصة وعرض نماذج مشرفة لهم وتوعية الأسر والمجتمع بحسن الاهتمام بهم ورعايتهم نفسيا وسلوكيا واجتماعيا .
5- ضرورة مشاركة المنظمات الدولية المختلفة والهيئات الدولية المعنية بالصحة والطفولة والتعليم فى حملات التوعية ودعم المراكز البحثية والجمعيات والهيئات المهتمة برعاية الأبناء ذوى الاحتياجات الخاصة.
6- الاهتمام بادماج ذوى الاحتياجات الخاصة بمراحل التعليم المختلفة وتطوير الأبنية والوسائل التعليمية حتى تصبح أكثر قدرة على تمكينهم من تحقيق فرص تعليمية متكافئة تصنع منهم عناصر فعالة فى خدمة المجتمع . وهذا المبدأ جاء على رأس التوجيهات التى أوصى بها السيد الرئيس حسنى مبارك كخطوة إيجابية لتطوير التعليم والارتقاء به فى مصر .
7- ضرورة تشجيع المتميزين ذوى الاحتياجات الخاصة الذين استطاعوا تحقيق بطولات فى مجال الرياضة على المستويات الدولية والعالمية وتحفيزهم من خلال رصد جوائز ومكافآت مالية وهذه الجوائز والمكافآت تحقق نتائج إيجابية تساعد على تقدمهم وتفوقهم .
8- ضرورة الاهتمام بالنشاط الرياضى للأبناء ذوى الاحتياجات الخاصة لما له من دور عظيم فى تفريغ طاقاتهم ، وإبراز لإمكاناتهم وتهذيب لسلوكهم .
9- ضرورة اهتمام الأسر بالسلوكيات العامة الصحيحة والنظافة الشخصية والمظهر العام لهؤلاء الأبناء وذلك من خلال حثهم على الثقة والاعتماد على النفس .
10- فتح مجالات مختلفة لهؤلاء الأبناء لتكوين صداقات إجتماعية مع نظرائهم ومع الأبناء الطبيعيين من المتطوعين لهذا العمل الإنسانى .
11- الاهتمام بتوجيه هؤلاء الأبناء الوجهة الدينية الصحيحة عن طريق تعليمهم وتشجيعهم على أداء الفروض الدينية الواجبة التى تساعدهم على توجيه سلوكياتهم توجيها صحيحا .
12- مساعدتهم على التعامل مع التطور العلمى والتكنولوجى الحديث عن طريق استخدام الكمبيوتر وغيره من وسائل الاتصال الحديثة .
وأخيرا لابد من ادراك ان تقدم ونجاح هؤلاء الأبناء مرهون أولاً وقبل كل شئ بوعى وتفهم أسرهم ومجتمعاتهم وقبولهم كأفراد طبيعيين قادرين ومتميزين .
وفى الختام فإن شعار الاولمبياد "دعنى أفوز واذا لم أستطع ، دعنى أكون شجاعا فى المحاولة" هذا القسم والشعار يجعلنا نحنى رؤوسنا لأهدافه العظيمة ولكل من يعمل فيه . ويكفى الاولمبياد المصرى فخرا رعاية السيدة العظيمة سوزان مبارك له والذى تتولى رئاسته بشخصها الكريم فى سبيل رعاية وتشجيع أبناء مصر ذوى الاحتياجات الخاصة .
وأخيرًا فإن عالم ذوى الاحتياجات الخاصة هو عالم له مشاعره وإنفعالاته وإحتياجاته الخاصة التى علينا أن نتفهمها ونقدرها .
وختاما فكلمات التقدير والعرفان من كل عضو فى اسرذوى الاحتياجات الخاصة لفكرة هذا المؤتمر الكبير ولجميع القائمين على تنظيمه،لا تستطيع ايفاء حقكم علينا ، فاهتمامكم ومشاعركم الانسانية النبيلة تجاه أبنائنا والمجهودات التى تبذلونها من اجل تقدم هؤلاء الابناء ودفعهم لنيل حقهم فى الحياه لهدف سامى وحضارى نبيل جعلنا نحن اسر هؤلاء الابناء نشعر أننا متميزين بهم وهم تاج على رؤوسنا .
ودعونى أخيرًا أن أنقل لكم تحيات وتقدير وشكر أسر الأبناء ذوى الاحتياجات الخاصة فى بلدى مصر، إلى القائمين على تنظيم هذا المؤتمر الناجح الكبير فى دولة تونس الشقيقة . أشكركم جميعا …
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدكتورة هدى درويش مدرس الأديان المقارنة بجامعة الزقازيق بمصر ومقرر لجنة الأسر التابعة للأولمبياد الخاص المصرى عن منطقتى مدينة نصر ومصر الجديدة لها العديد من الأبحاث والمؤلفات العلمية ونالت رسالتها فى الدكتوراه عن العلاقات التركية الإسرائيلية جائزة الجامعة التقديرية لعام 2001م .
هذه السيدة حباها الله واختارها لتصبح أما لأبنه من ذوى الاحتياجات الخاصة . ومن خلال تجربتها أعطت نموذجا حيا لتحد الاعاقة الذهنية التى واجهتها فى ابنتها بالارادة والجهد والمثابرة عن طريق اكتشاف مواهب وقدرات ابنتها الرياضية لتنطلق بها إلى البطولة العالمية .
وذلك من خلال مشاركة ابنتها فى الاولمبياد الخاص المصرى الذى يفتح نوافذه وطاقاته بقياداته المتميزة ومدربيه ذوى الكفاءة والقدرة العالية. فوصلت بابنتها مى المهيلمى إلى أعلى مستويات الكفاءة ونالت العديد من الميداليات الذهبية على كافة المستويات المحلية والاقليمية والعالمية وأصبحت هذه الأبنة تفخر بنفسها وانتصاراتها ومصدرا لفخر وسعادة أسرتها ومجتمعها .